الأحد، 12 فبراير 2012

ماذا يعني تطبيق الشريعه ؟

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ماذا يعني تطبيق الشريعه ؟
الحلقه السابعة عشره .
عقيدة القضاء والقدر
وقفنا في الحلقة السابقة حول هذه المسألة على موضوع القضاء وأنه كل الافعال التي توجد او تقع، سواء كانت ضمن نظام الوجود أم لا، دون أن يكون للانسان أي دخل فيها و لا ارادة له في وقوعها او دفعها، وهو مسيّر فيها، ولا يملك جلبها او دفعها. ونقف الآن على موضوع القدر.إننا عندما نرى الأفعال القضائية او الإرادية، أي التي تسيطر على الانسان او التي يسيطر عليها، لا تقع الا من أشياء و على أشياء من مادة الكون والانسان والحياة، ندرك ان الأفعال كلها مادية، وأن الناموس العام الذي خلق الله تعالى الوجود عليه هو الذي يمكّن من وجود او وقوع هذه الأفعال من الاشياء، فماذا في هذه الاشياء؟لو دققنا في كل شيء لوجدنا أنه قد اختص بميزة لا توجد لدى غيره. وأن هذه الميزة او الخاصية هي التي تمكّنه من وقوع الفعل منه او عليه. وأن الله تعالى الذي خلق نظام الوجود هو الذي خلق لكل شيء ميزته الخاصة. فخاصية الإحراق في النار، وخاصية الاحتراق في الخشب، وخاصية القطع في السكين، وخاصية الانقطاع في اللحم، كلها خواص خلقها الله تعالى في هذه الاشياء وجعلها حسب نظام الوجود ملازمة للأشياء و لا تتخلف عنها. ولو تخلفت لكان ذلك بسبب تدخّل الخالق المدبر سبحانه مباشرة، وهو أمر خارق للعادة، كما حصل لكل الأنبياء وكان من معجزاتهم. فالنار ما كانت لتترك ابراهيم عليه السلام وقد ألقي فيها دون أن تحرقه ويحترق هو فيها لولا تدخّل الله سبحانه وأمره تعالى لها "يا نار كوني برداً وسلاماً على ابراهيم". وخاصية السيولة في الماء، وخاصية التجمد في الثلج، هما خاصيتان لا تتخلفان الا بمعجزة لنبيّ، فقد أنشق ماء البحر وظهر كأنه تجمّد معجزة لموسى عليه السلام "فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم".هذا بالنسبة للأشياء الكونية، وما خلق الله سبحانه لها من خواص لا تتخلف. وأما بالنسبة للأشياء البشرية من دماغ وغرائز وأعضاء اخرى، فقد خلق الله لكل منها خاصية معينة ايضاً، وجعلها ملازمة لها حسب نظام الوجود. فالدماغ خلق فيه خاصية التفكير، وغريزة النوع خلق فيها خاصية الميْل الجنسي، وغريزة البقاء خلق فيها خاصية حب الذات، وغريزة التدين خلق فيها خاصية الميْل للتقديس. وجعل لكل خاصية من هذه الخاصيات مظاهر متعددة تظهر فيها في الواقع لتؤدي مهمتها في الحياة. وهذه الخاصيات في الغرائز والاعضاء، وتلك في الأشياء، خلقها كلها الخالق المدبر سبحانه، وقدّر فيها خاصياتها المميزة لكل منها، و لا أثر للانسان في ذلك. الأمر الذي يفرض على الانسان المسلم بالذات أن يعتقد صادقاً ويؤمن مخلصاً بأن الله تعالى وحده هو الذي قدّر هذه الخاصيات في كل الأشياء خارج الانسان و داخله.والسؤال الآن: الى أي مدى تُلزم هذه الخاصيات الانسانَ على أن يقوم بها بأعمال معينة؟ بمعنى هل من طبيعتها أن تجبر الانسان على ان يقوم بها بأعمال محددة دون غيرها فيكون مسيَّراً لا مختاراً ؟عندما نقرأ قوله تعالى في سورة الشمس –الآيات من 7 الى 10 – "ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها" ندرك ان الخالق المدبر سبحانه عندما خلق النفس البشرية، وسوّاها في أحسن تقويم، ألهمها أي خلق فيها القدرة على الفجور والقدرة على التقوى. أي أنه سبحانه جعل بتدبيره الحكيم للانسان في غريزة التدين الخاصية المميزة لها وهي القدرة على أن تفجُر وتعصي الأوامر الالهية فتكون أعمالها شراً، او تتقي وتطيع أوامر الله فتكون أعمالها خيراً. فلم يكن إلهامه سبحانه للنفس وتدبيره لها بسلب استطاعتها الاختيار بين الشر والخير وإنما بوضعه في أعماقها. ولذلك نجده تعالى يحمّل النفس الانسانية مسؤولية ما يصدر عنها من اعمال. فيرتب الفلاح والخير عندما تقدم على الاعمال الطيبة، كما يرتب الخيبة والشر عندما تقدم على الاعمال السيئة. ففي الخاصيات التي أودعها الله سبحانه في الاشياء والغرائز والاعضاء البشرية القابلية على ان تدفع الانسان ليقوم بأعماله وفقاً لأوامر الله او مخالفة لها دون أن تجبره على عمل معين او محدد بالذات. وإنما تدفعه فقط لاستخدام الأشياء تبعاً لما في الواحد منها من خاصية، وللاستجابة للغريزة او حاجة العضو تبعاً لما في هذه او تلك من خاصية مميزة. وبهذا يظهر جلياً أن الخاصيات لا تفرض على الانسان أي عمل من باب الإجبار او الإلزام وإنما دورها يبقى محصوراً في مجال الدفع للإشباع ليس غير.صحيح أن خاصيات الأشياء والغرائز والأعضاء البشرية ملازمة لها بشكل لا يمكن أن تنفكّ عنها ولا تتخلف، بحيث يظهر أثرها على نتيجة كل فعل يصدر عن الانسان. ولكنها تبقى دائماً طوع بنان الانسان ليستعملها متى شاء. فهو الذي يوجِد العمل بها، وهو الذي يمتنع عن ايجاده. فغريزة النوع بما فيها من خاصية الميْل الجنسي تقدم للانسان مجال استعمال هذا الميْل عندما يدفعه لإشباعه. ولكن هذا الميْل، وما فيه من دافع، لا يفرض على الانسان ان يشبعه بشكل دون آخر. لأن في هذا الميْل القابلية للإشباع بأكثر من شكل، أي فيه القابلية ليفسح للانسان المجال لاستعمال عدة خيارات. فهو كميْل، ملازمٌ للغريزة، ولكنه عند الدفع للإشباع، لا يُلزم صاحب الغريزة بالإشباع حسب اوامر الله او مخالفاً لها. فالانسان الذي يحمل الغريزة كطاقة حيوية ملازمة لها خاصية الميْل للإشباع، هذا الانسان هو الذي يُحدث الاعمال للإشباع سواء كانت خيرا او شرا.ولكن كيف تتخذ هذه الاعمال للإشباع شكل الخير او الشر ؟؟ سؤال نجيب عليه فيما يلي:إن الله سبحانه وتعالى كما خلق في الغريزة خاصية الميْل لإشباعها، وجعل في هذا الميْل القابلية للاشباع بطريق الخير او الشر، خلق للانسان العقل وقدّر فيه خاصية التمييز والإدراك، فقال "وهديناه النجدين" أي جعلنا فيه القدرة العقلية لإدراك طريقي الخير والشر .. فعندما تدفعه الغريزة او حاجة العضو للإشباع يتولى العقل بتمييزه بين الخير والشر ضبط وتوجيه الاستجابة للإشباع. فإن كان صاحب العقل يختزن في عقله عقيدة الاسلام، وما تفرضه من حلال وحرام، فانه يوجه الاستجابة وفق أوامر الله ونواهيه. وإن كان يختزن عقائد اخرى فانه يوجه الاستجابة وفقاً لما تراه من أوامر ونواهي. فصاحب العقل هو الذي يُحدث فعل الإشباع سواء كان حلالاً او حراماً وفقاً لخياراته العقلية. أي أن عملية إختزان المعتقدات بجميع انواعها في العقل هي عملية يُجريها الانسان بإرادته واختياره وقناعته ثم يختزنه ليتخذه ضابطاً وموجّهاً في إشباعاته. وعليه فان التمييز بين الخير والشر كخاصية للعقل قدر ملازم له، ولكن فعل الخير والشر يقرره صاحب العقل فقط، وما خاصية التمييز الا عوناً له لتعريفه بالطرق والخيارات المتوفرة أمامه.ولكن اين دور المشاعر في هذا الضبط والتوجيه؟للجواب على ذلك نقول: ان المشاعر هي الميول والدوافع، فتبقى على فطرتها تتجه نحو خالقها حتى يتدخل الانسان بما يختزنه من عقائد في عقله. فإما ان يستجيب للفطرة فيشكّل مشاعرها بما يقتنع العقل به من عقائد صحيحة، فتكون مشاعر اسلامية، او بعقائد اخرى غير اسلامية. ثم تتركز هذه المشاعر، مع طول الممارسة، وتشكل نفسية صاحبها على وصف معين بقدر ما يحرص على الترابط بين مفاهيم معتقداته وميول غرائزه وحاجاته.يتبع.......

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق