الخميس، 25 ديسمبر 2008

العلاقه بين الحاكم والمحكوم

العلاقة بين الحاكم والمحكوم
فطر الله سبحانه وتعالى بني البشر وجعل فيهم الطاقة الحيوية من غرائز وحاجات عضوية، ومن هذه الغرائز غريزة البقاء التي من مظاهرها حب السيطرة وحب التملك وحب الوطن وحب السيادة، فنجد أن عامة الناس يتبعون في حياتهم سادتهم وحكامهم، إتباع تقليد وإعجاب، أو اتباع إجبار وإكراه، وفي جميعها اتباع لأنهم هم الذين يقومون برعاية شؤونهم وإدارة مصالحهم، وهم الموجهون لهم. وقد أمر الإسلام بطاعة الأمراء فقال {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ولكنه استثنى من ذلك الطاعة في المعصية بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل) "رواه أحمد" ولقوله (لا طاعة لمخلوق في معصية الله)"رواه مسلم" وقد ذم الإسلام الاتباع والتقليد الأعمى قال تعالى {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا}، هذه هي طبيعة الحياة في المجتمعات البشرية.
فالمجتمعات تتكون من أناس وعلاقات دائمة وتنشئ هذه العلاقات لوجود المصالح والنظرة المشتركة إليها، وتخضع هذه العلاقات لنظام يطبق من أمراء القوم وسادته، حيث يطبقونه على الناس برضاهم أو بسخطهم، وينقادون له بقوة السلطان الذي مصدره الأمة نفسها، حيث هي السند الطبيعي للحاكم، أو بقوة الجندي وصرامة القانون، وبعبارة أخرى فإن عمل السلطة هي رعاية مصالح الناس، والمصالح تتجدد تبعا لنظرة الناس إلى الأعمال والأشياء بأنها مصالح أو ليست بمصالح. وهذه النظرة تختلف باختلاف نظرتهم إلى الحياة، وهي الأساس في النظرة إلى المصالح.
وتعيين الحاكم على الأمة هو اجتماع للتنازل عن سلطتهم لجعلها بيد الحاكم، وحتى يستطيع إدارة شؤون الناس ورعايتها وحمايتهم. وقد اشتملت المبادئ والشرائع على أنظمة تحكم وتنظم العلاقات بين الحكام والقادة من جهة، وبين عامة الناس من جهة أخرى، وهنا سنلقي الضوء على واقع هذه العلاقة ومدى صلاحيتها، وواقع العلاقة الصحيحة من خلال الأحكام الشرعية. فقد فرض الله سبحانه وتعالى فروضا كثيرة وأناط تنفيذها بأولي الأمر وحدهم دون سواهم، فصار لا بد من تنصيب حاكم "خليفة" لإقامة هذه الفروض، ولما كان تنصيب الخليفة وإقامة الخلافة فرض لا ينجز إلا بجماعة. صار لا بد من وجود جماعة من شأنها أن تنصب الخليفة المرتبط وجوده بالطاعة، ووحدة الجماعة ارتباطا لا ينفصم لتنفيذ أحكام الإسلام.
لذلك فإن الأمة تختار منها رجلا ليقوم بهذا السلطان نيابة عنها، حيث أن الأمة بمجموعها لا يمكن أن تباشر هذا السلطان.
وباستقراء الواقع الموجود في وقتنا الحاضر، نلاحظ أن الأمة منفصلة انفصالا تاما عن الدولة، أي عن حكامها، وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة فئتين متباينتين لا علاقة بين رعية ودولة، وفضلا عن ذلك فهي علاقة كره وتضاد وتناقض، وليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية التقارب. هذا من شأنه أن يؤدي إلى إضعاف الدولة وإضعاف كيان الأمة، لأن الرعية بدون وجود راع لها تكون واهية البنيان، والدولة بدون رعية تقف صفا واحدا خلفها تكون واهية الوجود ويمكن إزالتها أو فرض الشروط عليها، وتكون عرضة للاستعانة بأعدائها.
إن الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعيا واجبا عندما كانت الدول الكافرة تحكم البلاد مباشرة يوم كان الاحتلال العسكري، والانتداب هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الكافر المستعمر وأصبح حكام البلاد الذين يباشرون تنفيذا الحكم هم أبناء الأمة الإسلامية، فانه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس والدولة إلى علاقة التحام بين الراعي والرعية، غير أن الواقع أي هذا الانفصال بقي ولا يزال، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت هذه الفئات تحكمها علاقة تضاد متبادلة، فالأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر إلى الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم، وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما جعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم نحو النهضة والعزة.
وقد أصبح تفكير الحكام محصورا فقط بما يبقيهم على كراسي الحكم، ولو بالاستعانة بالأجنبي، ولا يفكرون برفع الأمة إلا نفاقا وكذبا وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي وتجعلها دائما في حالة ضعيفة حتى يظلوا مستقرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان. فلو كانت هذه الأمة تشعر بأنها هي مصدر السلطان وتقوم بمحاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عميل عدو لها، ولما كانت العلاقة بينها وبين الحكام علاقة انفصال، ولما كانت في هذا الضعف وفي هذا التفكك والتأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلا، وان كان الذي يحكمها مباشرة من أبناء المسلمين. لذلك كان لا بد للأمة حتى تكون كيانا واحدا هي والحكام أن تقوم بواجب المحاسبة، وان تقول كلمة الحق في وجوههم، وان تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة هذا الانحدار الذي نراه حتى تنفى أو تشرف على الفناء.
هذا هو واقع العلاقة اليوم بين الحكام وجمهرة الناس فئتين متباينتين، وهذه العلاقة الموجودة هي صفة من صفات الحكم الجبري الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، فالحاكم فاسدا مفسدا يعمل بعمل الجاهلية ويدعوا لها، فالظلم سجية، والكفر رائده، وسلب الأموال وإنفاقها في شهواته وملذاته وإشباع نزوات أتباعه، والقتل من أبرز أعماله، يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، يرى رقي بلاده وسعادة أمته بغير الإسلام، ويرى العدل والحق بما يسن من قوانين، معتبرا بعده عن الإسلام وأنظمته تقدما وتحررا غير رجعي. يسكت الألسنة ويعتقل المخلصين وأهلهم وأصدقائهم، فاتحا السجون ومنذرا بها، والعلماء بين ساكت لا ينكر ولا يغير التمس لنفسه الأعذار مؤولا لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}. وعالم قانع بصلواته يؤديها إذا وعظ الناس في المناسبات أمات القلوب وقد عافه الناس لتكراره، ولبعده عن واقع الأمة وأحاسيسها، محجما عن بيان فساد الأنظمة وكشف أعمالها رهبة أو رغبة، وبين علماء تولوا المناصب كوزراء ضلوا وأضلوا، أو كمستشارين للحكام أو موظفين زينوا لحكامهم أعمالهم، وشدوا على أيديهم وأوهموا الناس وأولوا النصوص واستبدلوا على وسائل الإعلام، وقفوا خلفها يسبحون بحمد الحاكم ويقدسون أمره وينسبون كل خير وبر له، فركبوا السيارات الفارهة متوجهين إلى القصور لتسجيل أسمائهم في سجل التشريفات عند كل مناسبة.
فهؤلاء علماء السوء وخطباء الفتنة وأعوان الحكم الجبري وأذناب السلطة الذين حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فقال (سيكون أمراء فسقة جوره فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض) وقال (إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا ولا مشركا فأما المؤمن فيجزه إيمانه وأما المشرك فيقمه كفره ولكن أتخوف عليهم منافقا عالم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون).
أما ما ورد لنا من أخبار السلف الصالح رضوان الله عليهم عن علاقة الحكام والمحكومين، فقد ورد لنا القصص المعبرة عن حال هذه العلاقة ومدى ترابطها ومدى التعاون التام بينهما لتطبيق الإسلام وأحكامه للحفاظ على أحكم الإسلام ودولته انطلاقا من الفهم الصحيح للأحكام الشرعية المبينة في الكتاب والسنة قال صلى الله عليه وسلم ( الدين النصيحة، قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وقوله تعالى {وتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}فنلاحظ اشتمال الأدلة السابقة على العلاقة القائمة بين الحاكم والمحكوم، بأنها علاقة نصح وإرشاد وتقويم للحفاظ على الدين والأمة، لأن النصيحة فيها الخير لهم ولمن يتولون أمرهم، وقد سار الأمر على هذا الحال في زمن الصحابة ومن بعدهم بكل حرص وتعاون، بل وكانت النصيحة تطلب من قبل الحاكم لتنفيذ عمله، فلا قدسية للحاكم المسلم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في أول خطاب له بعد بيعته على الخلافة-أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني.. إلى أن قال أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم- فهذا طلب من الخليفة الأول أبو بكر الصديق بمحاسبته والوقوف له وعدم طاعته في حالة مخالفة أمر الله ورسوله، فأين أبو بكر من حكام اليوم!
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف على المنبر ويقول أيها الناس من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه، فيجيبه أحدهم لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا، فأين هي قداسة الحاكم وأي حاكم، إنه أبو بكر وعمر...
وعمر بن الخطاب رضي الله عنه تقف له امرأة في مسألة تحديد المهر وقد تلت عليه الآية الكريمة {وان أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} وقوله قنطار يدل على إباحة التوسع في المهور فكيف يضع عمر حدا له؟ فأجابها بقوله-أصابت امرأة وأخطأ عمر.
هذه فروق كبيرة وجوهرية بين اليوم والأمس. فقد كان الحكام أنفسهم يرسمون العلاقة بينهم وبين ولاتهم من جهة وبين الأمة من جهة أخرى انطلاقا من فهم الأحكام الشرعية، فقد ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه قال في كتابه لواليه على مصر مالك بن الأشتر يحدد له علاقته مع الأمة-أعلم يا مالك إني وجهتك إلى بلاد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور وان الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم وإنما يستدل عن الصالحين بما يجري الله على السن عبادة فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض عليهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك انصف الله وانصف الناس من نفسك وخاصة أهلك ومن ولك فيه هوى من رعيتك فإن لا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده من رعيته ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حربا عليه حتى ينزع أو يتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته، من أقامه على ظلم فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد. ولا تنقص سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية، ولا تُحدثن سُنة تضر بشيء من مضي تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمقها في العدل واجمعها لرضا الرعية.
وقال الحسن البصري في وصف الحاكم العادل: إن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة لكل مظلوم ومفزع كل ملهوف، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم،وينقاد إلى الله ويقودهم، وهو كالعبد الذي ائتمنه سيده وإستحفظه ماله وعياله، وهو الذي لا يحكم في عباد الله بحكم الجاهلية ولا يسلك بهم سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على المستضعفين، فهو وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم.
هذا ما فهمه الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم في الحفاظ على العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومارسوه عندما كانوا حكاما ورعية، وفهموا أن الحفاظ على هذه العلاقة ليس أمرا مخيرا للقيام به أو تركه، بل فرض قد فرضه الله عليهم وجعل ذلك في علماء الأمة، لأنهم قادة الأمة الحقيقيون والثلة الواعية فيها. قال صلى الله عليه وسلم (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء) وهذا ما أثبته الواقع العلمي في كل عصر.
وقف أمير المؤمنين معاوية يوما على منبره بعد أن قطع بعض الأعطيات عن أفراد المسلمين فقال: اسمعوا وأطيعوا فقام إليه أبو مسلم الخولاني ليحاسبه على هذا التصرف الخاطئ قال: لا سمع ولا طاعة يا معاوية قال ولم يا أبا مسلم فقال يا معاوية كيف تمنع العطاء وانه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك، فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال للحاضرين مكانكم وغاب ساعة عن أعينهم، ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (الغضب من الشيطان والشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحد فليغتسل) وإني دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم.
وهذا منذر بن سعيد العالم الجليل يحاسب الحاكم. فقد أقبل الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله بن عمارة الزهراء أيما إقبال وأنفق من أموال الدولة الشيء الكثير، وهي في حالة قصور فأخره وكان يشرف عليها بنفسه.... وكان منذر بن سعيد يتولى خطبة الجمعة والقضاء، فلما كان يوم الجمعة إعتلى المنبر والخليفة الناصر حاضرا والمسجد غاص بالمصلين، وابتدأ خطبته قارئا قول الله تعالى في سورة الشعراء {اتبنون بكل ريع آية تعبثون* وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون* وإذا بطشتم بطشتم جبارين* فاتقوا الله وأطيعون* واتقوا الذي أمدكم بما تعملون* أمدكم بأنعام وبنين*وجنات وعيون* إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} حتى وصل الى قوله تعالى {قل متاع الدنيا قليل والآرة خير لمن اتقى} ثم مضى في ذم الإسراف على البناء بكل كلام جزل شديد ثم تلى قوله تعالى {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا شرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} وراح يحذر ويحاسب حتى أدرك من حضر من الناس وخشعوا وأذ الناصر من ذلك بأوفر نصيب، وقد علم أنه المقصود فبكى وندم على تفريطه.
وقصة العز بن عبد السلام الملقب ببائع الملوك عندما قام بمحاسبة الملك الصالح إسماعيل في حادثة الخيانة السياسية المشهورة، الذي تحالف فيها مع الصليبين ليساعدوه على نجم الدين أيوب حاكم مصر، وسلم إليهم لقاء ذلك قلعة صفد وقلعة الشقيف وبلادهم وصيدا وطبريا وما أشبه اليوم بالأمس.
هذا فيض من غيض فيما روي عن سلفنا في علاقتهم مع حاكمهم، نعم إن صلاح الناس بصلاح العلماء، وفسادهم بفساد علمائهم وحكامهم، بخلاف حالنا اليوم الذي تولاه حكام ظلمة، وأعانهم علماء فسقة زينوا لهم أعمالهم القبيحة وأقوالهم الفاسدة. عينهم الكافر المستعمر في غفلة من الأمة وخيانة من بعض أبنائها، واستجابوا لإغراءاته، وصدقوا وعوده {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}.
بعد أن كانت دولة الإسلام الدولة الأولى في العالم حين انتزعت الصدارة وزمام القيادة من دولتي الفرس والرومان، حتى وصلت إلى درجة أنها إن أشارت إلى الشرق يطئطئ وإن أشارت إلى الغرب يومئ، وأصبحت زهرة الدنيا حضارة ومدنية ورقيا فاتجهت إليها النظار وصارت مهوى الأفئدة.
ولما تقاعس العلماء عن أداء مهمتهم، ورضيت الأمة بحكامها الظلمة، انتقلوا من مركز القيادة إلى مركز التبعية، ينفذون ما تريده الدولة الكافرة الحاقدة على الإسلام وأهله، فنتج ما نتج من انفصال بين الحكام والمحكومين.
ولعلاج هذه العلاقة بين الحاكم والمحكوم وجعلها علاقة كما أمر الله سبحانه وتعالى، فقد جعل محاسبة الحكام فرضا على المسلمين و أمرهم بالمحاسبة، وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، أما قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على قول الحق فقالوا في البيعة- وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم-.
وأما محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن أبي سعيد الخدري، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).
فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده ومحاسبته، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى، حتى لو أدى إلى القتل، قال صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله) وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل تغيير الحكام وكفاح ظلمهم.
إن كفاح ظلم الحكام الذي نراه اليوم،ومحاسبة هؤلاء الحكام على أعمالهم كلها وعلى خيانتهم وعلى تآمرهم على الأمة وتنازلهم عن أرض الإسلام لأعداء الأمة، فرض فرضه الله علينا معاشر المسلمين، والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام، وهو الذي يجعل الأمة والحكام فئة واحدة وكتلة واحدة قوية، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام ويضمن تغييرهم، وهو طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تأتي إلا عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإيجاد الحكم القائم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكام على هذا الأساس، ولا سبيل إلى ذلك إلا بكفاح الحكام الظلمة ومحاسبتهم.
هذا هو السبيل الوحيد لتغيير واقعنا السيئ، وإرجاع العلاقة بين الحكام والمحكومين علاقة فئة واحدة.
وفي الختام أقول إن الأمة الإسلامية وهي الودود الولود لم تعقم من إنجاب علماء عاملين، أو شخصيات إسلامية تجمع بين العلم الغزير والرجولة الحقة لإعادة الحكم بما انزل الله وإقامة الدولة الإسلامية.
نسأل الله أن يكون ذلك قريبا إنه سميع مجيب

موسى عبد الشكور الخليل بيت المقدس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق