الخميس، 26 فبراير 2009

الحسبه في دوله الخلافه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحسبة في دولة الخلافة
موسى عبد الشكور الخليل بيت المقدس
لقد بعث الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بدين عظيم خالد وشريعة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فيه تحفظ الحقوق وتصان به النفوس وفيه عزة المسلمين وتقدمهم وبه ترفع راية النصر ، ويتحقق بذلك الأمن و الأمان إذا اتبعوا طريقتة واعتمدوا على منهجه وسلكوا سبيله فلا حلول لمشاكلنا ولا تنظيم لحياتنا إلا باتباع منهج الله سبحانه وتعالى الذي ينير لنا الطريق ويهدينا لسواء السبيل " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات إن لهم أجرا كبيرا " .
فقد جعل الله سبحانه وتعالى شريعة الإسلام لتحقيق الخير للبشرية وصلاح الإنسان وتأمين حاجاته العضوية وتنظيم غرائزه في إطار صحيح وهو ما احله الله للقيام به وما حرمه الله بالابتعاد عنه ليحصل الاطمئنان وتتحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة ، لذلك فرض الله سبحانه وتعالى على المسلم إن يتعلم ما يلزمه من فقه بعد الإيمان بالله لما يلزمه في حياته ، لتنظيم أموره حتى يكون الميزان لتصرفاته و أعماله في صالحه حيث جاءت الشريعة الإسلامية لكل أمر في حياة المسلم وقد سخر الله سبحانه رجالا من العلماء اهتموا بحفظ الشريعة ونقائها وفهمها واعطاءها للناس . قال تعالى :- " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " .
لقد دعا الإسلام بشريعتة السمحاء إلى تطهير النفس البشرية وتنقيتها مما اثر ذلك على العلاقات البشرية داخل المجتمع الإسلامي وخارجه ليكون المسلم عضوا فاعلا في المجتمع إيجابيا في سلوكه اتجاه نفسه واتجاه الآخرين .
غير إن الاختلاف في وجهات النظر لأي أمر من الأمور طبيعي بين بني البشر حيث يؤدى ذلك إلى وجود بعض المشاكل التي تحتاج إلى حلول وبما إن الإنسان لا يستغني بنفسه عن الآخرين فكان لا بد من وضع الحلول الكفيلة بتنظيم هذه العلاقات الناشئة عند قضاء المصالح بين الناس .
ولما كان النشاط البشري في اتساع دائم وان حاجاته الكمالية تتزايد وان وسائله وأساليبه تتطور كان لا بد من وجود مؤسسه لتنظيم هذه الاحتياجات تنظم الأمور الإدارية وتنظم الأساليب والوسائل في مختلف الميادين حيث نمت الصناعة وازدهرت الزراعة والتجارة لحث الإسلام ودعوته للعلم والعمل وكذلك دخول الناس في دين الله من الأمم الأخرى واتساع رقعة ديار الإسلام لتشمل أقاليم متعددة من المحيط الأطلسي حتى أواسط آسيا حيث تقطنها أمم من أزمنة شتى قد زاد من التطور في الأساليب والوسائل خاصة وإنها أصبحت وحدة واحده تحت حكم دولة إسلامية واحدة أزالت الحواجز الجمركية المعرقلة للنشاط البشري مما زاد في ازدهار النواحي الاقتصادية في مختلف جوانبها .
حيث ظهرت طبقة جديدة من الصناع والتجار ورجال الأعمال فكان لا بد من تنظيم الأمور المستجدة و ادارتها فكانت الحسبة واحدة من مؤسسات الدولة الإسلامية التي تقوم بهذا العمل وكانت هذه المؤسسة أي الحسبة إحدى المؤسسات التي تعمل على إحقاق الحق العام أي إحقاق الحق في القضايا التي لا يوجد فيها مدعي انطلاقا من الأدلة الكثيرة في الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر وامتثالا لما فعله صلى الله عليه وسلم الذي كان أول المحتسبين في الإسلام .
والحسبة لغة من حسب والتي من معانيها العد ومن ذلك قوله تعالى "الشمس والقمر بحسبان " والحسب هو تعديد الآباء افتخارا بهم ومن احتساب الأجر الذي هو انتظاره وطلبه " ويرزقه من حيث لا يحتسب " ومن معانيها الكفاية " حسبي الله " وفي الحسبة كفاية وصد للشر وحفظ المجتمع .
والحسبة في الاصطلاح هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله وقال الغزالي في قضاء الحسبة :" هو كل منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب بغير تجسس معلوم كونه منكرا بغير اجتهاد ، ويعرفها ابن خلدون بأنها وظيفة دينية لسائر الوظائف مثل إمامة الصلاة والقضاء والجهاد .
و الصحيح إن المحتسب هو القاضي الذي ينظر في كافة القضايا التي هي من حقوق عامة ولا يوجد فيها مدع على إن لا تكون داخلة في الحدود والجنايات .
هذا تعريف لقاضي الحسبة وهو تعريف مأخوذ من حديث صبرة الطعام فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بللا في صبرة الطعام فأمر بجعله فوق الطعام حتى يراه الناس فهذا حق عام للناس نظر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بجعل الطعام المبلول على وجه الصبرة لإزالة الغش وهذا يشمل جميع الحقوق التي من هذا النوع ولا يشمل الحدود والجنايات لأنه ليس من هذا القبيل ولأنها خصومات بين الناس أصلا .
بالإضافة لحديث الرسول صبرة الطعام فان معاذ ابن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة فقرأ بهم البقرة قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذا فقال انه منافق فبلغ ذلك الرجل فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وان معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا معاذ أفتان أنت ثلاثا اقرأ الشمس وضحاها وسبح باسم ربك الأعلى ونحوهما .
وكذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال " دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .
وكذلك حديث الطرقات " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس في الطرقات قالوا ما لنا بد
وإنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فان أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر ورد السلام و أمر بالمعروف ونهي عن المنكر "
هكذا أزال صلى الله عليه وسلم المنكر وكان يشرف بنفسه على أعماله في المدينة وخارجها وقد استعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة .
أما صلاحيات المحتسب فهو يملك الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان دون حاجة لمجلس قضاء ويجعل تحت يده عدد من الشرطة لتنفيذ أوامره وينفذ حكمه في الحال ولا حاجة لمجلس قضاء حتى ينظر المحتسب في الدعوى بل يحكم في المخالفة بمجرد التحقق من حدوثها وله إن يحكم في أي مكان او زمان في السوق وفي البيت وعلى ظهر الدابة وفي السيارة في الليل والنهار لان الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على المحتسب لان الحديث الذي ثبت فيه اشتراط المجلس في القضاء بقول " إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم " ويقول " إذا جلس إليك الخصمان " وهذا غير موجود في قاضي الحسبة ألا انه لا يوجد مدعي ومدعى عليه بل يوجد حق عام اعتدى عليه او مخالف للشرع فيه فان الرسول صلى الله عليه وسلم حين نظر في أمر صبرة الطعام نظر فيها وهو سائر في السوق وكانت معروضة للبيع ولم يستدع صاحب الصبرة عنده بل بمجرد ان رأى المخالفة نظر فيها وفي مكانها مما يدل على انه لا يشترط مجلس القضاء في قضايا الحسبة .
وللمحتسب الحق في إن يختار نوابا عنه تتوفر فيهم شروط المحتسب يوزعهم في الجهات المختلفة وتكون لهؤلاء النواب صلاحية القيام بوظيفة الحسبة في المنطقة التي عينت لهم وهذا مقيد بما إذا جعل له حق تعيين نواب عنه من قبل قاضي القضاء وإلا فلا يملك صلاحية التعيين .
والحسبة نظام فريد انفردت به الدول الإسلامية منذ نشأتها ولم تكن في أي أمة من الأمم التي سبقت الإسلام بالفتوحات لمصر والشام حيث الحكم البيزنطي لم يجدوا هناك قاضي حسبة .
وقد مارسها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده ومن ثم تم تطبيقها في كافة عصور الدولة الإسلامية فقد ولى عمر بن الخطاب آمر الحسبة في المدينة لامراءه تسمى أم الشفاء .
والحسبة من الأمور الهامة التي تدخل أيضا في الأمور الإدارية التي تتطور حسب تطور الصناعات والحرف ومع اتساع دولة الإسلام لضمان سير الأمور بشكل طبيعي والرقابة للأنشطة المختلفة وضمان الإشراف الدقيق والسيطرة التامة للدولة على كل الحياة الاقتصادية لضمان مصلحة الدولة والمستهلك للحفاظ على المكاييل والموازين والمقاييس .
فالمحتسب يساهم مساهمة رئيسية في صياغة الحياة العامة في الدولة الإسلامية صياغة إسلامية بحتة بعيدة عن المنكرات و المعاصي
إن أول إشارة صريحة إلى الحسبة والمحتسب كمصطلح ترجع إلى أوائل القرن الثاني الهجري حيث تم تعيين مهدي عبد الرحمن ثم اياس بن معاوية كمحتسبين في واسط وتعيين عاصم الأحول على الحسبة في الكوفة ، إن ذلك لا يعني أن هذه المؤسسة قد ظهرت فجأة بل أن وظيفة العامل على السوق ، والعريف قد وجدت في صدر الإسلام وهذا مهد لظهور هذه التسمية واستمرارها في مختلف عصور الدولة الإسلامية وقد ظلت في مصر حتى سنة 1805 حيث ألغيت من قبل محمد علي .
وقد تم تأليف كثيرا من المراجع والكتب في الحسبة مثل كتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر الأندلسي وكتاب الاحتساب للامام الناصر الاطروشي . حيث شرحوا أحكام الحسبة لبيان أهمية هذا المنصب وشروطه و اعماله
واهميه الحسبة تكمن في ما يلي :-
1- الحسبة على منكرات الأسواق مثل تضييق الشوارع ببضاعة أصحاب الدكاكين ووضع الغش والغبن والتدليس وتعقد المقاهي والنوادي .
2- الحسبة على المعاملات المنكرة مثل البيوع الفاسدة والربا والسلم و تسعير البضائع فالمسعر هو الله .
3- الحسبة في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم والأوزان .
4- الحسبة في مراقبة المساجد من حيث نظافتها ومراقبة الأئمة والحث على أداء الجماعة ومنع المشاجرة وارتفاع الأصوات .
5- الحسبة في التزام الناس في اللباس الشرعي .
6- الحسبة في تنظيف الشوارع والمسير في الطرقات
وباختصار إن عمل المحتسب هو منع المنكرات حيث ما وجدت ويجب أن يكون المحتسب ملازم للأسواق في الليل والنهار ومختلف الأماكن والأوقات
والحسبة تطبق على المسلمين وكذلك أهل الذمة مثل احداث او ترميم كنائس آو التعاون مع الكفار ضد المسلمين ويمنعهم من عرض خمورهم وخنازيرهم أمام المسلمين .
وعلى هذا فان منصب المحتسب يتعلق أيضا بكل المكاييل والمقاييس والأوزان وما نتج عن الصناعة ومنكرات الأسواق والمعاملات المخالفة لشرع الله.
وبذلك وضعت المواصفات والمقاييس في الدولة و أنيط تنفيذها بالمحتسب وقد شملت أيضا أصحاب الحرف كلها ويتم تعين نائب له يختار من أهل الصلاح و الخبرة لمراقبة كل مهنه ويعرف بالنقيب آو العريف لتلك المهنة قال تعالى "و أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين" وقال تعالى "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس..............يخسرون" وقال (ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) وللمحتسب أن يعفوا كما يجوز له أن يوبخ ويعنف وله أن يجلد وله أن يصادر ويتلف وله أن يسجن وله أن ينفذ جميع العقوبات إلا الحدود كقطع يد السارق ورجم الزاني فأمره نافد وقضاءه مبرم لا يجوز نقده ولا إبطاله .
وأخيرا يجب علينا إشاعة مفهوم الاحتساب والمحتسب والذي بفقده يفقد الشيء الكثير وهذا المحتسب الغريب عن أسماع الكثيرين منا وعن ما أريد لهذا المفهوم أن يكون لما فيه الخير والصلاح .
وعلى هذا فإننا نتطلع أن يعي الجميع دور المحتسب ودورهم في الحسبة وان يولوا الامر عنايتهم وان يعملوا لإعادة الخلافة الراشدة الثانية حتى يوجد المحتسب ويعود بدوره الفاعل ويطبق الاحتساب على المجتمع .
أن سيرة أجدادنا تنبئ عن شخصيات إسلامية وعصور زاهرة أطاعوا الله فيها وزهدوا بالدنيا وعاشوا مرفوعي الرؤوس عزيزي النفوس منفذي لأوامر الله ونواهيه ومدركين لأهميتها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق