الخميس، 26 فبراير 2009

الاسلام وحقوق الانسان

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام وحقوق الإنسان
م. موسى عبد الشكور الخليل بيت المقدس
خلق الله سبحانه وتعالى الخلق فاحسن خلقه وجعله في احسن تقويم وجعل له العقل تكريما له عن كثير ممن خلق ،قال تعالى :) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا(.وجعل قيمة الإنسان تساوي قيمة البشرية ،قال تعالى " ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا "
ولم يترك الله سبحانه وتعالى الإنسان وحده يعمل ما يشاء بل رحمه وشرفه بان أرسل الرسل وانزل الكتب نورا وهدى وبصائر للناس لتقويم حياته على اكمل وجه لعيش الإنسان في سعادة تامة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى: ) من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة( (النحل 97) ومن اعرض فقد توعده بالحياة النكدة قال تعالى
)ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ( (طــــــــــــــــه 124).
لكن كثيرا من الناس أبى واستكبر على دينه فشرعوا مما لم ينزله الله وتحدى الخالق عز وجل ووضع قوانين له لتنظيم شؤون حياته فإذا به يقع في الظلم والبغي والعدوان واكل الحقوق لعجزه وقصوره ولخضوعه وتأثره ببيئته وطائفته و أهوائه ونزواته وعمره المحدود وعلمه المحدود وعقله المحدود الذي لا يمكن الإحاطة لا بالحاضر ولا بالستقبل فوقع بما وقع فيه من خطايا فلجا للترقيع والتزيين لأعماله نتيجة للفشل الذريع الذي مني به في كل الميادين فأنشا لذلك مؤسسات وجمعيات منها مؤسسة حقوق الإنسان وجعل يضخمها وجعلها مقياسا للالتزام بحقوق الإنسان ومن لم يلتزم بها تقع عليه شتيمة العصر وهي انتهاك حقوق الإنسان
ويرجع تاريخ حقوق الإنسان الذي ظهر بعد صراع مع الكنيسة للتحذير من الظلم والعدوان يرجع الى سنه 1789 في فرنسا وكذلك في أمريكا باسم اعلان فرجينا حيث ظهرت وثيقة لحقوق الإنسان وكانت بمثابة شعارات وأفكار حتى صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 والذي تضمن الحرية الشخصية الفردية وحرية التنقل وحق الأمن على الحياة والجسد ومجموعة حريات الفكر التي تشمل حرية العقيدة وحرية التعليم وحرية الصحافة وحرية الرأي ، وتشمل أيضا حريات التجمع والاقتصاد وحق الملكية وحرية التجارة وكذلك الحريات السياسية مثل حرية الانتخاب وحق الترشيح وتقرير المصير وكلها بصفة غير إلزامية .
وهذا نتيجة طبيعية لفترة الظلم الذي عاشته أوروبا في القرون الوسطى فقد كان الناس عبيدا للحاكم الحامل لصفة الألوهية ، والفرد ليس له حقوق وخاصة المرأة واستمر الحال حتى حدثت الحروب العالمية التي قتلت عشرات الملايين من الناس مما أدى إلى المناداة بالكف عن قتل الإنسان وتدميره فبدا بتوقيع الدول على الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في هذا العصر وبهذا وضع ميثاق حقوق الإنسان .لكن الإنسان لم تحل مشاكله وبقي يشكوا ويتألم ويصرخ ويستغيث رغم وجود هذه المواثيق ورغم الحديث عنها في كل نشرة أخبار أو مؤتمر فأين الخلل إذا ؟.
ومواثيق حقوق الإنسان لا تعترف إلا بحقوق الإنسان الغربي وهذا واضح في كل من العراق والشيشان وفلسطين ولبنان والسودان واليابان وفيتنام .
والمشكلة تكمن في القانون الدولي وميثاق حقوق الإنسان نفسه الذي وضع لفرض هيمنة الدول الكبرى على العالم وكذلك الأساس الفكري لهذا القانون الخاضع لهوى الإنسان ومصالحه وكذلك الظلم الناتج عن هذه القوانين وهذه المواثيق التي لم تنصف الإنسان والاختلاف في كيفية تطبيقها وعدم وجود آلية لذلك في هذا القانون فهو نظريات بحتة تحمل صفة الرجاء لا الالتزام وهذه ظاهرة في كثرة الحروب وقلة احترام الإنسان والجماعة وانتشار الظلم والكيل بمكيالين ووجود حق النقد الفيتو . الذي يمثل قمة الظلم والطغيان لخضوع العالم وشعوبه لأهواء دولة وعدم إمكانية مقاضاة دولة تحمل هذا الحق وعدم وجود إمكانية للدول الصغيرة لتغيير هذا لقانون فهذا تكريس للظلم ومنع العدل .هذا هو واقع ميثاق حقوق الإنسان الذي يكون انتهاك حقوق الإنسان من صاحب القرار الذي يملك الإرادة والسلطان والذي بيده القوة المتحركة من شهواته ومصالحه الذاتية والمتأثرة بالظروف المحيطة به والخاضعة لأهوائه .
ومما زاد الطين بله غياب دولة الإسلام وإقصاء أحكامه عن الحكم في كل بلاد المسلمين وفرض القوانين الغربية بالقوة عليه فظهرت انتهاكات حقوق الإنسان المسلم وغير المسلم لعدم الالتزام بالشريعة الإسلامية فتعالت الأصوات أين حقوق الإنسان في الإسلام أين القوانين التي تضمن الحقوق للجميع أين المساواة بين جميع البشر ؟؟؟
وقد قام مفكرون إسلاميون بعرض مجموعة من الأدلة تدل على ان الاسلام يحوي نفس المميزات التي تتميز بها الحضارة الغربية بعد أن شاع مفهوم حقوق الإنسان وقالوا بان الإسلام يحوي المفاهيم التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة وكان دافع هؤلاء هو حفظ ماء وجه الحضارة الإسلامية مع الأسف حيث أدى بنا إلى استيراد كثير من القيم الغربية ومحاولة طلائها وتبيضها بطلاء إسلامي وهذا من اخطر الأمور لان الحضارة الإسلامية والغربية لا تلتقيان ونسي هؤلاء أن الإسلام من الله ويشمل كل شيء وان الحضارة الغربية من وضع البشر .
إن حقوق الإنسان وواجباته في الشريعة الإسلامية لها شروط ولها أساس تقوم عليه وأساسها من الله تعالى وليس نتيجة صراع ومنفعة وتقوم في الإسلام على :-
1. الأساس الفكري لحقوق الإنسان الإسلامية هي العقيدة الإسلامية الموافقة لفطرة الإنسان والمقنعه لعقله ولا يأتيها الباطل من بين يدها ولا من خلفها .
2. الأحكام والقوانين وهي منبثقة عن العقيدة وهي أحكام عادلة ثم تطبيقها في الحياة .
3. المساواة في تطبيق الأحكام على كل افردا الرعية .
4. أحكام ثابتته لا تتغير ولا تتبدل مع الزمن وليست خاضعة للأهواء والمصالح .

فالأحكام الشرعية نظمت شؤون حياة المسلم وطبقت لأكثر من ثلاثة عشر قرنا ضمنت خلالها حقوق الإنسان كاملة ولم تحدث بها ثغرات وكانت شاملة غير منقوصة.

فالشريعة تتعامل مع الفرد والمجتمع والدولة وفق نظام محكوم من الله تضمن انتشار المعروف وانحسار المنكر ومحاصرة البغي والظلم والعدوان وإنهاء الفساد في الأرض وحفظ لنفس وكرامة الإنسان على مر العصور قال عمر بن الخطاب t" وليت القضاء في عهد أبى بكر الصديق سنتين فلم يختصم أي اثنان".

ووضع الإسلام ضوابط وقواعد والية لتطبيق الأحكام .قال تعالى)ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (. فالمسلم حاكما أو محكوما ممنوع من انتهاك حقوق الإنسان الإسلامية فهوا إنسان مكرم قال تعالى ) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا( فالله وضع الشريعة الضامنة للالتزام ووضع كيفية تطبيقها قال تعالى ) افحسبتم انما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون(
ووضع الإسلام أن الإنسان سائر في حياته إما إلى الجنة أو إلى النار قال تعالى) إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم " الانفطار 13 .
وهذا يجعل الفرد يتميز بكافة الحقوق الإسلامية الإلهية وكذلك المجتمع فيحرص عليها الحاكم والمحكوم ويسران في اتجاه واحد وحلقة متكاملة لتحقيق ذلك فتحصل الطمأنينة والعدل والمساواة .

وقد حث الإسلام على الالتزام بالأخلاق الحميدة باعتبارها أحكام شرعية ولم يفصل عن الشريعة وجعل عدم الالتزام بها ضررا قال e"لا ضرر ولا ضرار " وقد بين الإسلام أن هناك فروضا ومندوبات ومحرمات ومكروهات متعلقة بالأخلاق وجعلها قوانين يعاقب عليها صاحب السلطان فتدور الرعية وصاحب السلطان مع الحق حيث دار حافظين ناصحين لبعضهم البعض قال e " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ". فالإنسان ممنوع من انتهاك حقوق الإنسان ولو كان ذميا .

أما العدل في الإسلام فقد جعل لها الشارع آلية لتطبيقها والالتزام بها ) لقدر أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط "( .
أما بالنسبة للعبادات في الشريعة الإسلامية و اثرها العظيم فهي العلاقة بين الإنسان وخالقه وهو مطالب بعبادة الله وكذلك المجتمع والحاكم الذين يعبدون الله كل في موقعه ،وجاء الإسلام بنظام تفصيلي للعبادة جعل لها أركانا وفروضا واجزل عليها الأجر والثواب ورتب عقوبة على تاركها وحث الإسلام على الإكثار منها فروضا أو نوافل قال ص" من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له "
وقال تعالى ) إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر(. (العنكبوت)

ومفهوم العبادة والطاعة في الإسلام يشمل الانصياع والتنفيذ لقوانين الله فهذا يؤدي الى الحرص على التطبيق وهذا غير مشتمل على الأنظمة والقوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان .
وقد جعل الإسلام التقوى مقياسا للالتزام بحقوق الإنسان من الشريعة وهي شاملة وكاملة قال تعالى )و أنزلنا إليك الكتاب تبيانا لكل شي ء( وقال ) اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دين(ا "إن أكرمكم عند الله اتقاكم وقال " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب "

وجعل الإسلام لكل مسلم مسؤوليتين لتنفيذ الأحكام مسؤولية نفسه وكذلك مسؤولة تنفيذ على غيره قال تعالى )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (لتوبة 71 . وقال)الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة و أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ( وهذا ما يسمى بثنائية المسؤولية .

و كذلك جعل الإسلام الجزاء في تنفيذ الأحكام من جهتين أو ما سماه البعض بثنائية الجزاء لكي يضمن أعلى درجة من لالتزام و التنفيذ فالجزاء الدنيوي الذي يتمثل بنظام العقوبات في الإسلام والجزاء الاخروي الذي يتمثل بالعقاب في الآخرة .
وقد انشأ الإسلام نظام الحسبة الذي يزيل الضرر ويحافظ على الحقوق وجعل لذلك نظاما كاملا عمليا .

وبهذا يظهر أن القانون الدولي وميثاق حقوق الإنسان ، لم يقدم حلولا سليمة لمشاكل الإنسان وقد قصر في ضمان إعطاء الإنسان لحقوقه على كل الأصعدة ومما يدل على ذلك كثرة الحروب والضيق والقلق الذي يعيشه أبناء البشرية منذ أن غابت دولة الإسلام عن الوجود .


ويظهر أيضا أن الشريعة الإسلامية هي الضمان الوحيد والعادلة الكفيل بتحقيق الأمن و الأمان والسعادة في الدنيا والآخرة وهذا يتطلب السعي الحثيث لإقامة دولة الإسلام لتحقيق العدل والأمن للعالم بأسره .
قال تعالى ) وهم ينهون عنه وينأون عنه وان يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون(
وقال ) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بغير الله وآياته يؤمنون(










الاستشراق والاستغراب

بسم الله الرحمن الرحيم

الإستشراق والإستغراب
المهندس موسى عبد الشكور الخليل بيت المقدس
كثر الحديث عن الإستشراق والإستغراب وماله من أثر في العالم الغربي والعالم الإسلامي وإختلف في فهم مقاصده وردود الفعل عليه.وقد تناقضت حوله الأراء مابين متحمس له مادحا ومابين رافض له جملة وتفصيلا وما بين من على الحياد منه .
والإستشراق مأخوذ من الشرق وهو كما يسمونه علم الشرق أو علم العالم الشرقي والمستشرق يطلق على كل عالم غربي يعمل بدراسة الشرق أي الدراسات الغربية المتعلقة بتاريخ الشرق ولغته وحضارته.
وقد أختلف في بداية تاريخ الإستشراق ولكن الغربيين يرجعونه إلى تجمع فينا سنة 1312م ولكن الأهم من ذلك هو الصراع الذي أنشأه الإستشراق على كل الأصعدة مع العالم الإسلامي حيث أن أوروبا جن جنونها عندما لاحظت الانتشار السريع للإسلام حيث أن المسلمين استطاعوا ضم شعوبا كثيرة خلال مئة عام وهذا زمن قياسي في غمر الشعوب فقد دخلوا في الإسلام فكان ذلك منبها لرجالات الكنيسة النصرانية لدخول النصارى في هذا الدين وحملهم لرسالة الإسلام.فكان لابد من دراسة الشرق وحضارته وأسباب النصر عنده وإيجاد مصادر معلومات موثوقة للمثقفين الأوروبيين ورجال الكنيسة لإيقاف هذا الزحف الإسلامي على أوروبا.
وقد شكل الإستشراق أيضا الجذور الحقيقية والمصنع الفكري والذي يمد المستعمرين بالمفاهيم لتنصير المسلمين وإستعمارهم وهو الذي يغذي قضية الغزوا الفكري والحضاري للعالم الإسلامي ويشكل المناخ المناسب لفرض السيطرة على الشرق وشعوبه وتحطيم المبدأ الإسلامي ورجالاته .
والإستشراق حلقات متكاملة مستمرة حتى يومنا هذا وتتمثل في مراكز البحوث الإستراتيجية المنتشرة في العالم الإسلامي سواء كانت مستقلة أو تابعة لجهة ما وهي تمثل الصورة الحديثة للإستشراق حيث تمكن هذه المراكز الفئة الحاكمة وأذنابها من العملاء والعلماء من الإطلاع على ما يجري في العالم اليوم.ففي القارة الأمريكية وحدها يوجد تسعة ألاف مركز بحث منها خمسين مركزا متخصصا بالعالم الإسلامي لدراسة وتحليل ما يجري ورسم الخطط الإستراتيجية التي تخدم الغربيين؛ وشكلت مراكز الإستشراق هذه مصدر المعرفة الوحيد للثقافة والعلوم الإسلامية عند الغربيين وأعتمد على ذلك لأنه يرى أن العقل الأوروبي هو وحده الذي يصلح وغيره مشكوك في نتاجه ولأنه يقسم العالم إلى قسمين إغريق وهم الأوروبيون والبرابرة وهم باقي الشعوب.
والواقع أن المستشرقين لا يكتبون لنا كمسلمون وإنما يكتبون للمثقف الغربي وتقدر أعمالهم بحوالي 60 ألف بحث وكتاب في مختلف الميادين فلم هذا الإهتمام ولم هذا العناء الكبير والملاحظ إن وراء أعمال الإستشراق أمور هامة منها:
1- حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام فيؤمن به ويحمل رسالة مثل ما حصل مع نصارى الشام ومصر وشمال افريقيا والاندلس.
2- معرفة ما في العالم الإسلامي من خيرات إمكانيات وثروة ورجال لكي يعرفوا كيف يتعاملون معه وكيف يحاربونه وعدم عودته قويا.
3- تنصير المسلمين وهو إدخالهم في الديانة النصرانية وحرفهم عن الإسلام.
وكان المستشرقون يتلقون تعليماتهم من الرهبان وكانوا يوصفون جند الغرب الطلائعيين الذين وهبوا أنفسهم للجهاد المقدس حسب تعبيرهم فهم مصدقون عند الغربيين فيما يقولون حتى يسير المد النصراني على هدى وبصيرة.
يقول المستشرق الأمريكي (روبرت بين) أن لدينا أسبابا قوية لدراسة العرب والتعرف على طريقتهم فقد غزوا الدنيا كلها من قبل وقد يفعلونها مرة ثانية إن النار التي أشعلها محمد لا تزال تشتعل بقوة وهناك ألف سبب للاعتقاد بأنها شعلة غير قابلة لانطفاء.
وقال الأمير (كايتاني)الأمير الإيطالي الذي أنفق ثروته في عداء الإسلام وكتابة تسع مجلدات عن الإسلام بعنوان (حوليات الإسلام).قال أنه يريد بهذا العمل إن يفهم سر المصيبة الإسلامية التي انتزعت من الدين المسيحي ملايين الأتباع في شتى أنحاء الأرض ما يزالون حتى اليوم يؤمنون برسالة محمد ويدينون به نبيا رسولا.فهو يعلن هدفه بكل صراحة إن يفهم سر الإسلام ومصدر قوته؛
ويقول الكاتب (ألبير شاميدور)في كتابه (حمراء غرناطة ) إن هذا العربي الشجاع الذي استطاع أن يجمع علم العالم في مائة عام كما استطاع أن يفتح العالم أيضا في مائة عام قد ترك لنا في حمراء غرناطة اثارعلمه وفنه إن هذا العربي الذي نام نوما عميقا مئات السنين قد استيقظ واخذ ينادي العالم ها أناذا أعود إلى الحياة.
فمن يدري قد يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الفرنجة مهددة بالعرب فيهبطون من السماء لغزو العالم من جديد.
ويقول (روجيه جاوري) لم يكن الإستشراق حركة نزيهة منذ البداية إذ كان الهدف منه إدخال المسلمين في النصرانية.
لقد كانت كتابات المستشرقين لتحصين الأوروبيين ومعظمها يتناول الإسلام بصورة غير نزيهة تشتمل على سب وشتم للإسلام ولرسوله الكريم واختلاق الأكاذيب فكانوا يقولون "العدو الأكبر" وأصبح محمدا " أمير الظلمات" وأيضا كانت كتاباتهم لتغيير فكرة الأوروبيين عن الإسلام والتي حصلت عندهم عندما كان الاحتكاك في المعارك هو مصدر معلوماتهم الوحيد عن الاسلام والمسلمين.
وكان المستشرقون يثيرون في دراساتهم وأبحاثهم موضوع الأقليات والفرق والصراع بينها كما أثاروا موضوع الزندقة والزنادقة وإبرازهم بأنهم أصحاب الرأي الحر وقادة الفكر؛ فهذا المستشرق هنري كوريان يتحدث عن السهرودي المقتول كما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي (إن صلاح الدين الأيوبي قاهر الصليبيين وهو قاتل السهرودي قهرا للرأي ووأدا لحرية الفكر).
وهذا المستشرق (لويس ماسي نون) مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية الذي خصص حياته لدراسة حياة الحلاج الذي جعل حياته كحياة المسيح في الإسلام.وقال المستشرق اليهودي (كراوس) في بحث نشر سنة 1930م إن الرسائل العديدة المنسوبة إلى جابر ابن حبان هي تأليف الفرقة الإسماعيلية وان جابر بن حيان هو أسطورة ليس لها اصل.
وقد اهتم المستشرقون في التاريخ القديم وقفزوا عن الإسلام وعقدوا مؤتمر سنة 1908م كان من جدول أعماله على سبيل المثال لا الحصر (التاريخ البابلي ، تاريخ مصر القديم ، وحفريات أريحا وأثارها الكنعانية............).وقد بذلوا جهودا كبيرة للإشادة بهذه الحضارات البائدة وقد اثر ذلك بعدها لتطالب مصر بالفرعونية وايران بالفارسية
كما حاولوا تشويه التاريخ الإسلامي وركزوا على المعارك التي حصلت بين المسلمين مثل معركة الجمل وصفين وكربلاء وحصروا معظم تاريخ المسلمين بهذه العثرات التي حصلت وقد ابرزوا تاريخ العرب في الجاهلية ومروا على التاريخ العريق للمسلمين مروراً لأنهم يعتبرون إن تاريخ العالم هو التاريخ الأوروبي فقط وان تاريخ باقي الشعوب هو نقاط متناثرة حول محور التاريخ العالمي.وقد سار المستشرقون في أبحاثهم على ما يسمى بالمنهج المعكوس في البحث أي وضع النتائج المرجوة من البحث قبل القيام به إتباعا للهوى وتضليلاً وافتراءا وكذباً. وقد لحقهم في ذلك المستشرقين اليهود فقد انضموا إلى المستشرقين الأوروبيين من النصارى وقد دخلوا إلى ميدان الإستشراق بوصفهم اوروبيين لا بوصفهم يهودا وكان اهتمامهم بالتشكيك في الإسلام وخدمة الصهيونية العالمية.
وقد سار في ركب المستشرقين فئة ضلت من أبناء المسلمين أخذت الإسلام من الغرب الحاقد وبعضها تخرج من جامعات أوروبا وأمريكا في الدراسات الإسلامية حيث كان مصدر معلوماتهم عن الإسلام هو جامعات أوروبا وأمريكا هؤلاء يسمون بالمستغربين الذين يهددون الأمة الإسلامية من الداخل وسمو بهذا الاسم نسبة إلى الغرب وجعله المرجع لكل شيء لإرساء النموذج الغربي في بلاد المسلمين.
وهم اخطر من المستشرقين لأن الإستشراق وضح أمره وبانت أهدافه أما المستغربين فإنهم يعيشون بيننا وورثوا أفكار الاستعمار والإستشراق واستخفوا بتاريخ الأمة الإسلامية ووضعوا مفاهيم جديدة لتحل مكان المفاهيم الإسلامية مثل القديم والجديد والتقليد والتجديد والتخلف والتقدم والتطور والجمود والتحرر والمساواة وثقافة الماضي وثقافة العصر.
هؤلاء المستغربون الذين نادوا بالثقافة الغربية لهم قلوب غير قلوبنا والسن غير ألسنتنا تم صقلهم وبرمجتهم بأفكار غير أفكارنا.
وقد حضرت ندوة عن الإسلام والغرب في ألمانيا حيث كنت ادرس هناك وكان المحاضر من أبناء جلدتنا يدعى بسام طيبي وادعا هذا المستغرب إن ما عند الغرب هو من اصل إسلامي وضرب لنا مثلا بان العرب قد اخترعوا العدسة وان الغرب اخذها واخترع النظارة فأصل النظارة عربي إسلامي وان الحضارة الغربية أصلها إسلامي فلماذا لا نأخذ كل شيء من الغرب.واستنتج إن علينا إن نأخذ من الغربيين كل شيء لأن أصله عربي إسلامي وهذه من اخطر الأفكار التي يبثها المستغربون عندما فشلوا في إنكار الحضارة الإسلامية فقد وجدوا الأدلة الساطعة والقاطعة بفضل المسلمين في تقدم العالم ورقيه فلجاؤا إلى أساليبهم الخبيثة ليتجاهلوا ويشككوا في الإسلام لإرضاء أهوائهم وساداتهم فقد قال المستشرق (مونتجومري واط)في معرض حديثة عن ظلم المرآة في الإسلام إن الإسلام لا يعطي النساء حقهن في المهر.والآية صريحة قال تعالى:(( وأتوا النساء صدقاتهن نحلة )) وقد قرأها هذا المستشرق الذي تعامى عن الآية لأنه استشهد بآيات في نفس السورة
وعلى هذا فإن أعمال المستشرقين لا ترقى لأن تكون علوم وأبحاث لوضوح هدفهم وعدم استخدامهم الأساليب الصحيحة في الكتابه والبحث وبهذا يتضح إن الإستشراق ماهو إلا حلقة من حلقات الاستعمار الذي يسعى للسيطرة على بلاد المسلمين وليس لهم فضل في خدمة حضارتنا الإسلامية والتأليف فيها وإنما كان عملاً لخدمة الكفار الغربيين ونصرت أهل بلدانهم ودينهم بإخلاص وأمانة ولا يقال بأن المستشرقين قد طبعوا كتباً مترجمه للعربية فهذه خدمة للمسلمين لا يقال ذلك لأن الكتاب لا يطبع لأكثر من خمسمائة نسخة فقط توزع على مراكز البحث والإستشراق في العالم إن عنايتهم بالتراث الإسلامي ما هي إلا من باب اعرف عدوك فهي المفاتيح التي عرفوا بها كيف يخططون لتدمير واستعمار العالم الإسلامي.
ومن هنا فإننا ندعو المسلمين إلى العمل على إرجاع الدين الإسلامي ليتصدر كل مناحي الحياة الإسلامية فالدولة الإسلامية هي الجهة القادرة على أن تقف في وجه الحركة الإستشراقية وانهاء الاستعمار وما سببه من تضليل وتشويه لبعض من أفراد الأمة وما نتج عنه ، وهي القادرة على حصر اتصال الكفار الغربيين والمستشرقين مع المسلمين في ساحات المعركة أو من خلالها وجعل مصدر المعلومات هم المقاتلون المسلمون وما تريده الدولة فقط.قال تعالى (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ))، وقال (( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين )).

الحسبه في دوله الخلافه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحسبة في دولة الخلافة
موسى عبد الشكور الخليل بيت المقدس
لقد بعث الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بدين عظيم خالد وشريعة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فيه تحفظ الحقوق وتصان به النفوس وفيه عزة المسلمين وتقدمهم وبه ترفع راية النصر ، ويتحقق بذلك الأمن و الأمان إذا اتبعوا طريقتة واعتمدوا على منهجه وسلكوا سبيله فلا حلول لمشاكلنا ولا تنظيم لحياتنا إلا باتباع منهج الله سبحانه وتعالى الذي ينير لنا الطريق ويهدينا لسواء السبيل " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات إن لهم أجرا كبيرا " .
فقد جعل الله سبحانه وتعالى شريعة الإسلام لتحقيق الخير للبشرية وصلاح الإنسان وتأمين حاجاته العضوية وتنظيم غرائزه في إطار صحيح وهو ما احله الله للقيام به وما حرمه الله بالابتعاد عنه ليحصل الاطمئنان وتتحقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة ، لذلك فرض الله سبحانه وتعالى على المسلم إن يتعلم ما يلزمه من فقه بعد الإيمان بالله لما يلزمه في حياته ، لتنظيم أموره حتى يكون الميزان لتصرفاته و أعماله في صالحه حيث جاءت الشريعة الإسلامية لكل أمر في حياة المسلم وقد سخر الله سبحانه رجالا من العلماء اهتموا بحفظ الشريعة ونقائها وفهمها واعطاءها للناس . قال تعالى :- " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " .
لقد دعا الإسلام بشريعتة السمحاء إلى تطهير النفس البشرية وتنقيتها مما اثر ذلك على العلاقات البشرية داخل المجتمع الإسلامي وخارجه ليكون المسلم عضوا فاعلا في المجتمع إيجابيا في سلوكه اتجاه نفسه واتجاه الآخرين .
غير إن الاختلاف في وجهات النظر لأي أمر من الأمور طبيعي بين بني البشر حيث يؤدى ذلك إلى وجود بعض المشاكل التي تحتاج إلى حلول وبما إن الإنسان لا يستغني بنفسه عن الآخرين فكان لا بد من وضع الحلول الكفيلة بتنظيم هذه العلاقات الناشئة عند قضاء المصالح بين الناس .
ولما كان النشاط البشري في اتساع دائم وان حاجاته الكمالية تتزايد وان وسائله وأساليبه تتطور كان لا بد من وجود مؤسسه لتنظيم هذه الاحتياجات تنظم الأمور الإدارية وتنظم الأساليب والوسائل في مختلف الميادين حيث نمت الصناعة وازدهرت الزراعة والتجارة لحث الإسلام ودعوته للعلم والعمل وكذلك دخول الناس في دين الله من الأمم الأخرى واتساع رقعة ديار الإسلام لتشمل أقاليم متعددة من المحيط الأطلسي حتى أواسط آسيا حيث تقطنها أمم من أزمنة شتى قد زاد من التطور في الأساليب والوسائل خاصة وإنها أصبحت وحدة واحده تحت حكم دولة إسلامية واحدة أزالت الحواجز الجمركية المعرقلة للنشاط البشري مما زاد في ازدهار النواحي الاقتصادية في مختلف جوانبها .
حيث ظهرت طبقة جديدة من الصناع والتجار ورجال الأعمال فكان لا بد من تنظيم الأمور المستجدة و ادارتها فكانت الحسبة واحدة من مؤسسات الدولة الإسلامية التي تقوم بهذا العمل وكانت هذه المؤسسة أي الحسبة إحدى المؤسسات التي تعمل على إحقاق الحق العام أي إحقاق الحق في القضايا التي لا يوجد فيها مدعي انطلاقا من الأدلة الكثيرة في الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر وامتثالا لما فعله صلى الله عليه وسلم الذي كان أول المحتسبين في الإسلام .
والحسبة لغة من حسب والتي من معانيها العد ومن ذلك قوله تعالى "الشمس والقمر بحسبان " والحسب هو تعديد الآباء افتخارا بهم ومن احتساب الأجر الذي هو انتظاره وطلبه " ويرزقه من حيث لا يحتسب " ومن معانيها الكفاية " حسبي الله " وفي الحسبة كفاية وصد للشر وحفظ المجتمع .
والحسبة في الاصطلاح هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله وقال الغزالي في قضاء الحسبة :" هو كل منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب بغير تجسس معلوم كونه منكرا بغير اجتهاد ، ويعرفها ابن خلدون بأنها وظيفة دينية لسائر الوظائف مثل إمامة الصلاة والقضاء والجهاد .
و الصحيح إن المحتسب هو القاضي الذي ينظر في كافة القضايا التي هي من حقوق عامة ولا يوجد فيها مدع على إن لا تكون داخلة في الحدود والجنايات .
هذا تعريف لقاضي الحسبة وهو تعريف مأخوذ من حديث صبرة الطعام فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد بللا في صبرة الطعام فأمر بجعله فوق الطعام حتى يراه الناس فهذا حق عام للناس نظر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بجعل الطعام المبلول على وجه الصبرة لإزالة الغش وهذا يشمل جميع الحقوق التي من هذا النوع ولا يشمل الحدود والجنايات لأنه ليس من هذا القبيل ولأنها خصومات بين الناس أصلا .
بالإضافة لحديث الرسول صبرة الطعام فان معاذ ابن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة فقرأ بهم البقرة قال فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذا فقال انه منافق فبلغ ذلك الرجل فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وان معاذا صلى بنا البارحة فقرأ البقرة فتجوزت فزعم أني منافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا معاذ أفتان أنت ثلاثا اقرأ الشمس وضحاها وسبح باسم ربك الأعلى ونحوهما .
وكذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال " دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده وجعل يقول " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .
وكذلك حديث الطرقات " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس في الطرقات قالوا ما لنا بد
وإنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فان أبيتم إلا ذاك فأعطوا الطريق حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر ورد السلام و أمر بالمعروف ونهي عن المنكر "
هكذا أزال صلى الله عليه وسلم المنكر وكان يشرف بنفسه على أعماله في المدينة وخارجها وقد استعمل عمر بن الخطاب على سوق المدينة .
أما صلاحيات المحتسب فهو يملك الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان دون حاجة لمجلس قضاء ويجعل تحت يده عدد من الشرطة لتنفيذ أوامره وينفذ حكمه في الحال ولا حاجة لمجلس قضاء حتى ينظر المحتسب في الدعوى بل يحكم في المخالفة بمجرد التحقق من حدوثها وله إن يحكم في أي مكان او زمان في السوق وفي البيت وعلى ظهر الدابة وفي السيارة في الليل والنهار لان الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على المحتسب لان الحديث الذي ثبت فيه اشتراط المجلس في القضاء بقول " إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم " ويقول " إذا جلس إليك الخصمان " وهذا غير موجود في قاضي الحسبة ألا انه لا يوجد مدعي ومدعى عليه بل يوجد حق عام اعتدى عليه او مخالف للشرع فيه فان الرسول صلى الله عليه وسلم حين نظر في أمر صبرة الطعام نظر فيها وهو سائر في السوق وكانت معروضة للبيع ولم يستدع صاحب الصبرة عنده بل بمجرد ان رأى المخالفة نظر فيها وفي مكانها مما يدل على انه لا يشترط مجلس القضاء في قضايا الحسبة .
وللمحتسب الحق في إن يختار نوابا عنه تتوفر فيهم شروط المحتسب يوزعهم في الجهات المختلفة وتكون لهؤلاء النواب صلاحية القيام بوظيفة الحسبة في المنطقة التي عينت لهم وهذا مقيد بما إذا جعل له حق تعيين نواب عنه من قبل قاضي القضاء وإلا فلا يملك صلاحية التعيين .
والحسبة نظام فريد انفردت به الدول الإسلامية منذ نشأتها ولم تكن في أي أمة من الأمم التي سبقت الإسلام بالفتوحات لمصر والشام حيث الحكم البيزنطي لم يجدوا هناك قاضي حسبة .
وقد مارسها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده ومن ثم تم تطبيقها في كافة عصور الدولة الإسلامية فقد ولى عمر بن الخطاب آمر الحسبة في المدينة لامراءه تسمى أم الشفاء .
والحسبة من الأمور الهامة التي تدخل أيضا في الأمور الإدارية التي تتطور حسب تطور الصناعات والحرف ومع اتساع دولة الإسلام لضمان سير الأمور بشكل طبيعي والرقابة للأنشطة المختلفة وضمان الإشراف الدقيق والسيطرة التامة للدولة على كل الحياة الاقتصادية لضمان مصلحة الدولة والمستهلك للحفاظ على المكاييل والموازين والمقاييس .
فالمحتسب يساهم مساهمة رئيسية في صياغة الحياة العامة في الدولة الإسلامية صياغة إسلامية بحتة بعيدة عن المنكرات و المعاصي
إن أول إشارة صريحة إلى الحسبة والمحتسب كمصطلح ترجع إلى أوائل القرن الثاني الهجري حيث تم تعيين مهدي عبد الرحمن ثم اياس بن معاوية كمحتسبين في واسط وتعيين عاصم الأحول على الحسبة في الكوفة ، إن ذلك لا يعني أن هذه المؤسسة قد ظهرت فجأة بل أن وظيفة العامل على السوق ، والعريف قد وجدت في صدر الإسلام وهذا مهد لظهور هذه التسمية واستمرارها في مختلف عصور الدولة الإسلامية وقد ظلت في مصر حتى سنة 1805 حيث ألغيت من قبل محمد علي .
وقد تم تأليف كثيرا من المراجع والكتب في الحسبة مثل كتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر الأندلسي وكتاب الاحتساب للامام الناصر الاطروشي . حيث شرحوا أحكام الحسبة لبيان أهمية هذا المنصب وشروطه و اعماله
واهميه الحسبة تكمن في ما يلي :-
1- الحسبة على منكرات الأسواق مثل تضييق الشوارع ببضاعة أصحاب الدكاكين ووضع الغش والغبن والتدليس وتعقد المقاهي والنوادي .
2- الحسبة على المعاملات المنكرة مثل البيوع الفاسدة والربا والسلم و تسعير البضائع فالمسعر هو الله .
3- الحسبة في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم والأوزان .
4- الحسبة في مراقبة المساجد من حيث نظافتها ومراقبة الأئمة والحث على أداء الجماعة ومنع المشاجرة وارتفاع الأصوات .
5- الحسبة في التزام الناس في اللباس الشرعي .
6- الحسبة في تنظيف الشوارع والمسير في الطرقات
وباختصار إن عمل المحتسب هو منع المنكرات حيث ما وجدت ويجب أن يكون المحتسب ملازم للأسواق في الليل والنهار ومختلف الأماكن والأوقات
والحسبة تطبق على المسلمين وكذلك أهل الذمة مثل احداث او ترميم كنائس آو التعاون مع الكفار ضد المسلمين ويمنعهم من عرض خمورهم وخنازيرهم أمام المسلمين .
وعلى هذا فان منصب المحتسب يتعلق أيضا بكل المكاييل والمقاييس والأوزان وما نتج عن الصناعة ومنكرات الأسواق والمعاملات المخالفة لشرع الله.
وبذلك وضعت المواصفات والمقاييس في الدولة و أنيط تنفيذها بالمحتسب وقد شملت أيضا أصحاب الحرف كلها ويتم تعين نائب له يختار من أهل الصلاح و الخبرة لمراقبة كل مهنه ويعرف بالنقيب آو العريف لتلك المهنة قال تعالى "و أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين" وقال تعالى "ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس..............يخسرون" وقال (ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) وللمحتسب أن يعفوا كما يجوز له أن يوبخ ويعنف وله أن يجلد وله أن يصادر ويتلف وله أن يسجن وله أن ينفذ جميع العقوبات إلا الحدود كقطع يد السارق ورجم الزاني فأمره نافد وقضاءه مبرم لا يجوز نقده ولا إبطاله .
وأخيرا يجب علينا إشاعة مفهوم الاحتساب والمحتسب والذي بفقده يفقد الشيء الكثير وهذا المحتسب الغريب عن أسماع الكثيرين منا وعن ما أريد لهذا المفهوم أن يكون لما فيه الخير والصلاح .
وعلى هذا فإننا نتطلع أن يعي الجميع دور المحتسب ودورهم في الحسبة وان يولوا الامر عنايتهم وان يعملوا لإعادة الخلافة الراشدة الثانية حتى يوجد المحتسب ويعود بدوره الفاعل ويطبق الاحتساب على المجتمع .
أن سيرة أجدادنا تنبئ عن شخصيات إسلامية وعصور زاهرة أطاعوا الله فيها وزهدوا بالدنيا وعاشوا مرفوعي الرؤوس عزيزي النفوس منفذي لأوامر الله ونواهيه ومدركين لأهميتها .